المـعـــــلا.. أشهر مناطقها (حجيف) وفيها أول محطة كهربائية بالجزيرة العربية (الأخيرة)
«الأيام» عبدالقادر باراس:

صورة لمحطة حجيف الكهربائية في الخمسينيات

كرسنا الحلقة الرابعة لتقديم صورة تعريفية لمراحل بناء الشارع الرئيسي، باعتباره أحد المعالم العصرية التي أخذت تميزها عن بقية الشوارع والمناطق في عدن منذ القدم، بشكله الهندسي المتراص الشبيه بأبنية المدن والعواصم الأوروبية، وأشرنا كيف تم تنظيم حركة مرورها في الماضي بإدخال الأنوار المرورية الأتوماتيكية، وتطرقنا إلى التغيرات التي طرأت عليه بعد الاستقلال.

وقمنا بإلقاء نظرة سريعة على منطقة (الكبسة) الواقعة عند نهاية شارع الرئيسي في اتجاه الغرب القريب من منطقة حجيف التي أخذت اسمها من (الكبس)، وبنيت عليها منازل لأفراد الشرطة.

في حلقتنا الأخيرة من هذه السلسلة نستكمل جولتنا لمناطق مدينة المعلا، حيث سنطوف في حجيف، وحافون، والروضة، والشيخ إسحاق، والمعلا كشة (ردفان)، لنعرف عنها، ونكون بذلك قد أكملنا حلقاتنا الخمس عن أهم معالم تلك المدينة، حيث أوجزنا بالشيء اليسير للتعرف على معالمها التي شكلت مرحلة من التوهج الاقتصادي والتجاري.

حجيف

هو اسم قديم، حيث يعود ذكره وفقا لبعض المصادر الأجنبية إلى خمسة قرون، وعرفت في قديم الزمان كميناء آخر من وراء سلسلة الجبال غير ميناء عدن، حيث كان محصنا من الرياح من كل جانب.

ومنطقة حجيف تقع في الطرف الغربي من مدينة المعلا، شيد فيها الأنجليز مستودعات وأحواشا ومخازن للفحم، إضافة إلى محاريق الجير (النورة)، وعند تحول جزء من تجارة الفحم إلى جزيرة ميون (في بداية القرن العشرين) قل عدد العمال في محطات عدن إلا أنه بعد تطورات استبدال الفحم بالوقود السائل (النفط) عاد العمال من جديد، وبنيت في حجيف خلال الفترة ما بين 1929 - 1931، أربع محطات، فازداد عدد العمال نظرا للتوقف المفاجئ لمحطات الفحم في ميون، وتحولها إلى منطقة جبل حجبف في المعلا، فبنيت لهم وحدات سكنية عرفت بحارات ميون.

وكان لحجيف البداية الأولى في إنشاء أول محطة كهربائية بخارية في اليمن (تأسست في 26 أغسطس 1926) من قبل السلطات البريطانية، عرفت عند العامة بالـ (بـارهوص)، وتعني بالإنجليزية (بيت الطاقة - powre house) التابعة لمؤسسة الكهرباء العدنية، وقامت ببنائه شركة (بوبكو - bobco)، وكانت تعمل بقوة 3 ميجاوات لتلبية احتياجات قاعدتها، ثم تبع ذلك في الثلاثينيات إنشاء محطة ديزل احتياطية بطاقة ميجاوات واحد، إلا أن أعداد قليلة جدا من السكان تمكنت من الحصول على إمدادات التيار الكهربائي، وفي العام 1953 بنيت المحطة البخارية حجبف (ب) بطاقة 16 ميجاوات، لتمتد الطاقة الكهربائية إلى خارج المعلا، لمناطق أخرى في عدن، خاصة بعد إنشاء محطة بخارية في مصفاة عدن بطاقة 21 ميجاوات.

وتوجد في حجيف شركة أحواض السفن العدنية (ADEN DOCKARDS COMPANY)، التابعة لإحدى شركات (أنتوني بس)، ويرجع إنشاؤها إلى مايو 1963، عند قيام فروع بعض الشركات الأجنبية العاملة في عدن بإصلاحات صغيرة للسفن، ونتيجة لازدياد السفن العابرة في الميناء أقيمت ورشتان لإصلاح السفن في النصف الأول من أربعينيات القرن الماضي، مزودة بمعدات الصيانة المختلفة التابعة لشركة (كوري براذرس البريطانية) لترميم السفن، وإلى جانبها شركتا (استالكو، ولوك توماس). وبعد الحرب العالمية الثانية توسعت الورشة لتصبح شركة أحواض السفن العدنية، وكبر نشاطها بعد أن أدخلت حوضا عائما تزن حمولته قرابة 2000 طن، لتقدم خدماتها البحرية للبواخر.

وفي حجيف كانت توجد محطة لمعالجة الصرف الصحي تعرف من قبل أهالي المنطقة بـ (الدرنيش)، أي شبكة تحكم الصرف الصحي لمناطق وأحياء المعلا، وتصريفها إلى البحر.

وكان يوجد فيها رصيف عرف بـ (دكة كوري) قامت ببنائه شركة (كوري براذرس) في الستينيات (أرصفة ومستودعات)، وتوجد بقربها خزانات النفط القريبة من حافون التي أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى، وقد تم إزالة الكثير منها بعد منتصف التسعينيات، وبقي منها على أطراف جبال حجيف.

حافون

حافون إحدى المناطق الجميلة لمدينة المعلا، قيل إن تسميتها محرفة من الإنجليزية (half moon) وتعني نصف القمر، وهناك من أشار إلى أن من أطلق عليها هذا الاسم هم عمال الميناء الصوماليين، الذين أسموها باسم ميناء رأس حافون في الصومال.

وحافون حي راق يتسم بالهدوء، وتغمره الأشجار المحيطة بمنازله المكونة من عمارات معظمها ذات ثلاثة طوابق وفيلات، يحمل تصميمها الطابع الإنجليزي، كانت مقرا لسكن كبار المسئولين والضباط الإنجليز وعائلاتهم، وتضم بين جنباتها كنيسة شيدت في عام 1963، وإلى جانبها حديقة تعرف بـ (البجيشة)، وملعب للأطفال قريب من الخط الرئيسي الذي أقامته بلدية عدن في نوفمبر 1961، ومقبرة تضم جثامين البريطانيين الذين قضوا في عدن تعرف بـ (مقبرة النصارى).

وعلى أطرافها الشرقية يقع المعهد الفني الصناعي الذي بناه (أنتوني بس) لتدريب عماله، وسمي بعد ذلك بالكلية الفنية، وافتتح في العام 1951، وكان فيه وقتذاك أربعة تخصصات، هي (نجارة، ميكانيكا عامة، ميكانيكا سيارات، وكهرباء عامة) للمستوى الثانوي المهني وفق مناهج (سيتي أند جيلدز) البريطانية، إلى جانب عزم حكومة عدن في العام 1963 على تحويلها إلى كلية عدنية، ليسهل للطلاب إمكانية التعلم بقدر أكبر، لتنمية معارفهم ومقدراتهم الفنية، وبعد الاستقلال أصبح معهدا تقنيا صناعيا وكلية للهندسة تتبع جامعة عدن.

الروضة (القلوعة)

كانت الروضة منذ القدم تضم في بعض مساحاتها قبورا قديمة، إلى جانب بيوت قليلة وخيام، وقد سماها الإنجليز (الروضة)، وسميت أيضا (القلوعة)، أي قلوعن، فالكلمة صومالية معناها (الطريق الملتوي أو العوجاء)، لأن الصوماليين الذين يقودون سياراتهم متجهين إليها كانوا يجدون صعوبة أثناء القيادة، فأطلقوا عليها اسم (القلوعة).

والروضة أنشأها الإنجليز في العام 1956، بسبب أزمة السكن التي عانتها المدينة لتفاقم عدد السكان، وعرفت منازلها بمنازل (الدرجة - ج) التي قامت ببنائها شركة (ماذر كات - أم القط) خصصت للعمال الصناعيين، وأصبحت المنطقة عامرة، حيث أنشئت فيها محطات سيارات الأجرة وسوق الخضار واللحم والسمك وملعب لكرة القدم، واتسمت شوارعها الرئيسية الثلاثة بتسميات عربية، هي الرصافي، والرومي، والزيتون.

وفي 1956 قام التاجر باشنفر ببناء جامع الروضة على نفقته الخاصة بالتنسيق مع جمعية خيرية للشؤون الدينية، وتمَّ إنشاؤه مع الدكاكين (المحلات)، ونظرا لتزايد عدد السكان في المنطقة قامت الجمعية بتوسيع الجامع من خلال جمع التبرعات، فبنت الطابق العلوي في عام 1962، وتكونت بداخلها مدرسة لتعليم علوم القرآن الكريم، وكان فضيلة الشيخ محمد سعيد الشيباني (رحمه الله) خطيبا للجامع آنذاك.

ويوجد فيها ضريح ولي الله (العطاس)، وقربه محجر صحي (كارنتينا) عند مدخل الشارع القريب من المعلا.

الشيخ إسحاق - المعلا كشة (ردفان)

توجد في المعلا منطقتان مرتفعتان ومنعزلتان، يطلق عليهما الشيخ إسحاق، والمعلا (كشة) وتعني بالهندية (ني - غير ناضج)، وعرفت أيضا بـ (ردفان)، فأوضاعهما كانت مزرية بسبب مساكنهما المبنية من الأخشاب والبتر والصفائح، ولعدم وجود المجاري (الجلالي - والبيارات)، وتفتقران إلى النور والماء، وإن وجد يباع بأثمان باهظة، ولايصلهم إلا في أوقات محددة، حيث يصعب الحصول عليه في بعض الأحيان.

وجميع القاطنين فيها هم من الكادحين، ومن أرباب الحِرف الصغيرة.

وسميت منطقة الشيخ إسحاق تيمنا بالشيخ الجليل الزاهد والمحب للخير الصومالي (الشيخ إسحاق) الذي سكن المنطقة، وغادر بعدها إلى أرضه الصومال، ومات فيها قبل مئات السنين، وتخليدا لذكراه أُقيم (الضريح) الذي تقام الزيارة عليه، وسميت المنطقة على اسمه.

وتجاور منطقة الشيخ إسحاق جبل قوارير (كاسترو)، عرفت بهذا الاسم نتيجة دفن القنينات الفارغة بالجبل، والقريبة أيضا لمعلا كشة (ردفان)، وكانت بقربها مقبرة المسلمين المعروفة بـ (المجنة)، ولاتزال آثارها شاهدة. ويتذكر أهالي المنطقة في السابق عندما طالبوا الجهات المختصة بترميم جدار المقبرة.

وقد أدخلت للمنطقتين (كشة والشيخ إسحاق) إمدادات أعمدة الكهرباء في بداية الستينيات لإيصالها إلى بعض منازل الساكنين فيها، وحينها شرع أهالي المنطقتين بتقديم طلبات إلى إدارة الكهرباء بإدخال الكهرباء إلى بيوتهم المبنية من الحجر حسب قانون إدارة الكهرباء، وتشير الدلائل الموثقة أن مدينة عدن إبان الحكم البريطاني قد امتلكت نظاما لاستخدام الأرض وتوزيعها، واستمر العمل بهذا النظام خلال الفترة التي خلفت الاستقلال، ومن تلك الدلائل التي تمثل مرجعا تاريخيا للباحثين الإعلان الذي نشرته (بلدية عدن) في العدد (897) من صحيفة «الأيام» الصادر في 9 يوليو1961، ووجهته معلنة ترحيبها «بطلبات من مواليد عدن الذين لايمتلكون مساكن في الوقت الحاضر، ويرغبون في إقامة مسكن مؤقت في منطقة الشيخ إسحاق المعزولة».

ويقع بالقرب من المعلا كشة (ردفان) المحراق، حيث كانت تُرمى الفضلات وتحرق النفايات، ومع مرور الزمن انتهى وجوده، ثم تغيرت المنطقتان نحو التوسع بدخول الخدمات فيها، وتحول مسار بناء بيوتها من الأخشاب والصفائح إلى الأحجار، وقد ساعدها أكثر استحداث طريق رئيسي (الطريق الدائري) في أواخر الثمانينيات، يمر عبرهما ليكسر عزلتهما التي كانت تفرضها الطبيعة عليهما عن بقية مناطق المعلا.


كلمة أخيرة

قدمت في هذه السطور الشيء البسيط عن تلك المدينة الراقية بتحضرها وعمرانها، ودفعني أكثر حبي لها، لأدون ما تيسر لي، رغم شحة المعلومات، وكانت معظم المعلومات التي استقيتها مأخوذة شفهيا من أناس عاصروا مراحل بنائها، والقليل منها اقتبستها من مراجع معتمدة.

لايفوتني أن أقدم عظيم الامتنان للأستاذ المربي الفاضل حمودي إسماعيل (أبو سهيل)، والوالد الفاضل أنور سعيد شيخ، والحاج إبراهيم محمود أحمد، لتعاونهم معي وسردهم الكثير من المعلومات عن معالم تلك المدينة، وما لا أعرفه عنها منذ القدم، ليتم تحريره وتوثيقه وإيصاله بسهولة للقراء، كما أقدم شكري للأستاذ الكاتب نجيب اليابلي لتعاونه معي بالترجمة، وأيضا للأخ عارف حريري (مؤرخ الطوابع والصور الفوتوغرافية) الذي أهداني صورة نادرة لمنطقة المعلا قبل بنائها.

أفادنا مشكورا الأخ م. علوي عبدالله المحضار بخصوص تاريخ تشغيل قطار عدن، أنه كان في عام 1916، وزودنا بمعلومات عن ذلك مدعمة بمصادر معتمدة منها كتاب (سجلات اليمن - إنجرامس)، وكتاب آخر ( Real way في الشرق الأوسط - هيوث هيوتش).

المراجع (بتصرف)

- الرئيس علي ناصر محمد، عدن التاريخ والحضارة.

- عبدالله محيرز، العقبة.

- د.خالد سالم باوزير، ميناء عدن.. دراسة تاريخية معاصرة.

- أمين سعيد باوزير، حلقات القرآن الكريم ومجالس العلم في مساجد عدن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الأيام للصحافة و النشر

Designed & Hosted By MakeSolution.com