الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

بـدايـة الـجمهـوريـة فـي الـجنـوب

7 ديسمبر 2017 الساعة 06:00
العاصمة عدن
مع قتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح بات أمام الجنوبيين اليوم مهمة صعبة ومصيرية، ستقرر ما إذا كان استقلال الجنوب ممكناً، أم أنهم سيظلون داخل عباءة صنعاء لعقود قادمة.

لا يختلف السياسيون، داخل اليمن أو خارجها في الشرق أو في الغرب، أن هناك حقوقا شرعية للجنوبيين، قامت الدولة اليمنية بالعبث بها على مدى 27 عاماً من تاريخ الدولة الموحدة.

ففي العام 1994م وقبل قيام الحرب لم يستفد الساسة الجنوبيون من وجودهم في صنعاء لينسجوا علاقات مع ديبلوماسيي سفارات الدول الغربية وهو الامر الذي حرص صالح على القيام به دون كلل او ملل، فكانت النتيجة الطبيعية أنه لم يستمع أحد منهم لما أراد الجنوبيون قوله.

عندما حانت ساعة الصفر وبدأت حرب 1994م صدق العالم صالح، كما أن الشعب في الجنوب لم يكن يريد العودة الى حكم الرفاق الوحشي، فضاع الجنوب ووقع بيد صالح.

ومنذ 1994 حرص صالح ونظامه على عزل الجنوبيين عن العالم، فمن التضييق على الجنوبيين في وزارة الخارجية الى قتل واغتيال المعارضين الجنوبيين المدنيين والعسكريين وخنق حرية التعبير، بات الجنوبيون يعيشون في نظام بوليسي، وانشاء منظومة افقار متكاملة للجنوبيين.

فلم يتم بناء شيء في الجنوب، حتى المدارس لم تتم صيانتها خلال 27 عاماً من عمر الوحدة بينما تم ضخ أموال وموارد الجنوب لتعمير صنعاء دون غيرها من المحافظات.

وكان النظام المالي للدولة أضحوكة، حيث كان يمتص موارد الدولة الى صنعاء قبل ان يقوم بتوزيعها عبر الميزانيات الى المحافظات مع مكافأة نسبتها 5 % للمحافظ من أي مبلغ لم يصرف، ويعاد الى خزينة الدولة اخر السنة.

ولان الجنوبيين ذوو خبرة عالية بالانتخابات والمجالس البلدية منذ العام 1942 لم تنطل عليهم لعبة المجالس المحلية التي ابتكرها نظام صالح بموارد مركزية ساهمت في شلها وعدم فاعليتها، ولا الانتخابات الزائفة التي صنعت أطول برلمان عمراً في المنطقة العربية والعالم تجاوز المدة التي انتخب لأجلها بأربع مرات.

وعلى ذكر البرلمان فقد حدد صالح للجنوب 57 مقعدا في البرلمان أكثر بمقعدين فقط من محافظة صنعاء التي لديها 55 مقعداً في البرلمان أي أن الجنوب يساوي محافظة شمالية واحدة. كما منع قانون الأحزاب من تكوين أي حزب إلا بأحد عشر محافظة بينما الجنوب كان ست محافظات أي ان الجنوبيين لن يكون لهم مكون سياسي.

ولتكتمل الحلقة قام نظام صالح بزرع القاعدة في الجنوب لإبعاد الدبلوماسيين عنه وتخويفهم بالإرهاب وانطلت اللعبة عليهم فأصبحوا مقيدين داخل صنعاء يستقون معلوماتهم من المخابرات وأجهزة الدولة اليمنية التي صورت كل شيء في الجنوب حسب نظرة صالح التآمرية.

فالحراك الجنوبي السلمي وصف بانه قاعدي ومرتبط بإيران وحركة مسلحة وحركة انتقامية.

وكل ما سرد أعلاه هو غيض من فيض، فهناك المخفيون قسراً والقتلى، والتعذيب في السجون والترحيل من الجنوب الى سجون الأمن السياسي في صنعاء، كلها أمور لا ينساها الجنوبيون ومحفورة في الذاكرة الجنوبية ولكن ما حصل كان مخططا له بدقة ولم يترك صالح شيئا إلا وخطط له حتى الحراك الجنوبي لم يسلم من اختراقاته.

اليوم مازال الرفاق من "الحرس القديم" يحلمون بالعودة للواجهة وللحكم ولكن مشروعهم غير قابل للتنفيذ، وأصبح الجنوبيون أكثر وعياً في تحديد هدفهم النهائي وهو الاستقلال واستعادة سيادتهم على أراضيهم بنظام فيدرالي ديمقراطي تعددي يضمن الحقوق والحريات العامة.

ولكن تطلعات الجنوبيين تصطدم بالعديد من المعوقات، فهناك عدد لا بأس بهم يظنون انهم أحق بالقيادة من غيرهم ومن عاداهم خائن وعميل، وهذه احدى العقبات التي يجب على الجنوبيين تجاوزها، فالوطنيون يسعون الى بناء اوطان وليس الى امجاد شخصية وعلى الجميع التفريق بين هذا وذاك والدفع بمن يرونه أحق وأجدر بالقيادة لكل الجنوب وليس لمنطقة دون أخرى، الدفع بدماء ووجوه جديدة وعناصر شابة وكفاءات مهنية يزخر بها الجنوب الان.

وهناك "الحرس القديم" في الخارج الذين أفسدوا المشهد الجنوبي بالمال جنبا الى جنب نظام صالح وساهموا بشكل فعال في تفتيت الحراك الجنوبي، فكل منهم يعتقد انه أجدر بالقيادة بينما في الواقع انهم هم من أوصل الجنوب الى كارثة اليوم.

على الجنوبيين اليوم السعي الى مستقبل يمثل قطيعة مع الماضي، فليس الجنوب بحاجة الى تكرار المآسي منذ 1967. إن العالم يريد قيادة موحدة تمثل الجنوبيين وعلى الجنوبيين، في الداخل بشكل خاص، الالتفاف حول أكبر مكون لديهم واصلاحه وتوسيعه ليشمل الجميع وأن يضمن مصالح الجميع.

إن مثل هذا الفعل سيواجه الكثير من العقبات فهناك وكلاء “الحرس القديم” الذين سيسعون بلا كلل ولا ملل للبقاء في المشهد السياسي لضمان استمرار تدفق الأموال الى جيوبهم، ولكن العالم اليوم قد حزم امره واوقف التعامل معهم، فلا تنغروا بتلك المقابلات الموسمية مع الدبلوماسيين الغربيين او الشرقيين لأنها لم تفض الى شيء في عشر سنوات ولم يستطيعوا تحقيق أي تقدم في تعاملهم مع العالم.

إن المهمة امام الجنوبيين صعبة ومؤلمة ولن تنجح سوى بنسيان الماضي والمناطقية البغيضة التي اشعلها نظام صالح في الجنوب فهذا من ابين وذاك من الضالع وهذا شبواني وهذا حضرمي، ولكن الجميع جنوبيون والجنوب هو الهدف الذي يجب ان يسعى الجميع نحوه.

إن العمل السياسي هو رؤية سياسية مكتوبة يقدمها السياسي كعقد بينه وبين الشعب ويتم محاسبته بحسب تنفيذه للعقد بين المحكوم والحاكم، والموجود الان على الساحة لا يعدو كونه مجرد كلام عاطفي يدغدغ أحلام الشعب المطحون، بجانب فشل الأحزاب والمكونات السياسية فشلاً ذريعا.

هناك مطالب جدية برؤية سياسية مكتوبة تضمن العدالة والمساواة بين الجنوبيين، تضمن الحريات العامة، تضمن عدم العودة الى النظام الشمولي، تضمن حفظ مصالح أبناء الشعب كأولوية قصوى للحاكم القادم، وتضمن انتقال السلطة سلميا، فقد سئم الجنوبيون الحرب والقتل ويريدون سلاماً حقيقياً على ارضهم وقادة معتدلين يكسبون احترام دول العالم بحيث يضمنون مصالح واستثمارات تلك الدول في الجنوب.

ويجب تطمين الجنوبيين المتواجدين حالياً في الشرعية بأن لا خطر عليهم.

إن سقوط الجمهورية في الشمال هو محفز فعلي لاستعادة هوية وكيان الجنوب الذي لا ينتظر منه البقاء في نظام عائلي جديد بعد القديم، فلن يقبل الجنوبيون سلطة الفقيه او الملالي.

كما ان نفس هذا السقوط للجمهورية في الشمال سيكون معززا لرغبات الجنوبيين في دفن خلافاتهم بشكل طبيعي يجب البناء عليه من قبل السياسيين الجنوبيين للدفع نحو تحقيق الهدف المنشود من الكل.

إن الشمال اليوم امام مرحلة سوداء لا يعلم أحد متى ستنتهي ويجب على الجنوبيين إدراك ان بلدهم لن يبنيها سواهم ولن تورث سوى لأبنائهم ومتى ما وصلوا الى تلك القناعة فلا توجد حدود لما يمكنهم تحقيقه.