الرئيسية | من نحن | نواصل معنا | نسخة الموبايل

السلعة الرائجة في تعز.. إعدامات وتصفيات ومليشيات مسلحة وقيادات عسكرية خارج القانون

8 يناير 2018 الساعة 06:00
صورة عامة من تعز
سماء تعز ملبدة بالفوضى وشوارعها ساحة للمليشيا التي تعمل خارج إطار الدولة والمسلحين الذين جاءت بهم أطراف الصراع والجماعات العابثة بسكينة هذه المدينة الحالمة، أما مرافقها الحكومية ومؤسسات الدولة فبات أغلبها في يد اللا دولة.

تستأثر بها جماعات مسلحة موزعة بين قوات الشرعية التي تصارع بعضها وبين الأطراف الأخرى ومنها جماعة الحوثي الانقلابية وجماعات تابعة لحزب الإصلاح.

تعز هي أكثر محافظات الشمال مدنية وحضارة وثقافة واحتراما للنظام واحتكاما للقانون، وأقلها تعصبا للقبيلة وتحكيم الأعراف التي تتنافى مع القانون أو الشرع، كما هو حاصل في كثير من محافظات الشمال.. غير أن حرب المليشيا الحوثية على تعز صدرت للمدينة نوعا من الفوضى والممارسات الدخيلة كالصراع والقتل، فباتت شوارع تعز ساحة للقتل والتصفية والإعدامات خارج القانون وبعيدا عن النظام.

شبان كثر، ربما بالمئات، سقطوا ضحايا لهذا العبث الذي يتزايد وتتعدد أساليبه وطرقه لتلقى في نهايتها أنها تصفيات.. أما الفاعل والأسباب فترصدها «الأيام» في التحقيق التالي مع عدد من الناشطين الحقوقيين والمهتمين والسياسيين والإعلاميين.

شهدت تعز كثيرا من الجرائم التي هزت امن وسلم المجتمع وراح ضحيتها العشرات، وكان ابرزها حالات اعدام ميدانية، كما حصل للمواطن حبيب الشميري، الذي اعدم في احد مقرات اللواء 22 ميكا، وهي سابقة خطيرة، خاصة وان الجناة لم يضبطوا بعد ومازالوا متحصنين باللواء وقوته.

وبعد مطالبات شعبية لقيادات في اللواء بوضع حد للتصرفات التي اساءت للواء اكتفى قائد اللواء العميد صادق سرحان بعقد اجتماع معهم والقول بان جريمة اعدام حبيب الشميري جريمة بشعة، وهي قضية جنائية، وعلى الجهات المختصة ضبط الجناة، وليس للواء علاقة بها، غير أنه يقر اي إجراءات مساعدة لضبطهم، وذلك بحسب افادات لمتابعين.

رئيس اللجنة التنظيمية لساحة الحقوق والحريات في تعز د. عبدالحليم المجعشي يرى في تصريح لـ«الأيام» أن حالات الاعدام والقتل خارج القانون بتعز تأخذ اشكالا مختلفة.

وقال «في لية 28 ديسمبر 2017م حدثت حالتا اعدام خارج القانون، اهتزت لهما مدينة تعز، فقد قامت جماعة مسلحة بأخذ احد الجنود من منزله في حي العسكري، وفي سوق الصميل تم اعدامه ورمي جثته في الشارع العام، وفي تلك الليلة حدثت واقعة الشميري باقتحام المنزل من قبل 3 اطقم مدججة بالسلاح واختطاف ابن الشميري و30 شابا من جيرانه، وفي كتيبة الاحتياط بحي عصيفرة تم اعدام حبيب احمد بن احمد الشميري وتصفيته بأكثر من 20 طلقة نارية، وتسليم جثته لمستشفى الروضة بتعز».

ويضيف المجعشي أن «تعز مازالت تعاني وتعاني من حالات القتل خارج القانون « ومنذ 3 سنوات والجناة والقتلة يسرحون ويمرحون، بل انهم محصنون من سلطة الامر الواقع الذي يزداد قوة ونفوذا وثراء ما بقيت الفوضى».

ويوضح المجعشي أن تجار الحرب هم من يديرون الفوضى ويديرون تعز بتلك الفوضى، وأنه من الصعوبة ان تتيح هذه القوى لأي محافظ فرض القانون واعادة هيبة الدولة.

*نتيجة طبيعية

يقول مجيب المقطري مسئول فرع التنظيم الناصري في تعز «إن الإعدامات خارج القانون التي نفذت في مدينة تعز مؤخراً ليست الاولى، وسبقها إعدام في الشارع العام وكانت ومازالت قضايا رأي عام خرجت فيها المظاهرات والوقفات الاحتجاجية رافضة الاجراءات خارج إطار المؤسسات الرسمية وسلطة القضاء، وانتشار محاكم ومكاتب تتبع جماعات نصبت نفسها بدل القضاء الرسمي».

ويعتبر مجيب أن كل ذلك هو نتيجة طبيعية لغياب مؤسسات الدولة، وعلى رأسها السلطة المحلية خلال الأعوام الثلاثة السابقة وضعف الأجهزة الامنية وغياب تام للقضاء، معتبرا أن كل ذلك عمل على إنتاج مجاميع مسلحة تقوم بالسطو والبلطجة على المحلات التجارية والمرافق العامة وتقتل بداعي القصاص لنفسها، كما حصل مع حبيب الشميري، واقلاق سكينة المواطنين الآمنين، حد قوله.

ويرى أن هذا يقابله ضعف في أداء وعمل القوى السياسية في المحافظة، الا أن مجيب يستبشر خيرا بتعيين محافظ جديد لتعز، ويأمل من المحافظ ضبط كل هذا الانفلات مستعينا بالبرنامج المرحلي الذي اتفقت عليه القوى السياسية بالمحافظة.

*جرائم ضد الإنسانية

أما الناشط الحقوقي ذي يزن السوائي يصف جرائم القتل خارج القانون التي تنفذها بعض الجماعات المسلحة ، بجرائم ضد الانسانية وترتكب بطريقة غير مشروعة.

وقال «هذه الجرائم أصبحت منتشرة في مدينة تعز وبشكل مخيف جداً، وهي انتهاك صارخ ضد حقوق الانسان وجرمت في كل القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية، وقد حظر القانون الدولي عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، والإعدام التعسفي، والإعدام دون محاكمة، ودعا إلى تجريم من يقوم بها ومعاقبته».

ويرى السوائي أن السبب الرئيسي لانتشار جرائم القتل خارج القانون قد يكون ناتجا عن الصراع السياسي والاجتماعي « وكذلك انتشار الجماعات المسلحة بطريقة غير منتظمة، وغياب للأجهزة الأمنية وللسلطة المحلية والمحاكم والنيابات».

اراء ناشطون وحقوقيون من أبناء تعز


وأضاف «هذا لا يعني أن نظل مكتوفي الايدي ونستسلم أمام الأمر الواقع، وعلينا الضغط على الحكومة الشرعية ممثلة بمجلس القضاء الاعلى ووزارة العدل ووزارة الداخلية التحرك لتفعيل الحركة القضائية من محاكم ونيابات وأمن وتوفير كافة الامكانيات المادية والمعنوية حتى إعادة هيبة القضاء والأمن للحد من ظاهرة الجريمة ومن ظاهرة القتل خارج إطار القانون ومعاقبة مرتكبيها».

*محاصرة من الداخل

وتقول الناشطة الحقوقية والسياسية أروى الشميري: إن جرائم القتل خارج القانون هي اقوى مؤشر على انعدام الدولة نهائيا وانعدام سلطتها تماما.

وتعتبر الشميري أن الكارثة الكبرى تتمثل في ارتكاب جريمة القتل خارج القانون في مكان يفترض به حماية القانون وتوفير الأمن للمواطنين، كما حدث في جريمة قتل حبيب الشميري، «والذي ارتكبت بحقه جريمة قتل خارج القانون في مقر كتيبة الاحتياط التابعة للواء 22 ميكا».

وترى أنه لم يعد هناك مجال لأن يتم التشدق بتحرير تعز طالما هي محاصرة من الداخل بمثل هذه المليشيات المسلحة!. حد تعبيرها.

*هشاشة مؤسسات الدولة

وقال الناشط السياسي فخر العزب «إن القتل خارج إطار القانون يعد من أهم مظاهر الانفلات والفوضى في البلاد ودليل واضح على هشاشة مؤسسات الدولة الغائبة أصلا.

واضاف أن «حمل السلاح بشكل عشوائي والذي نتج عن اثار الحرب قد ضاعف من معدل انتشار الجريمة وخاصة الاغتيالات والاعدامات الميدانية التي تأتي بالغالب من جماعات مسلحة محسوبة على شخصيات عسكرية ومستقوية بها، وهي جريمة تعاقب عليها القوانين الدولية، وتتنافى مع القانون والقيم والأخلاق».

ويعتقد العزب أن عدم بناء المؤسستين العسكرية والأمنية على أسس سليمة وبما يتوافق مع مخرجات الحوار الوطني يعد من أبرز الأسباب التي تساعد على انتشار هذه الظاهرة في ظل تسيد المليشيات والجماعات المسلحة للمشهد والاستقواء بالشخصيات ذات النفوذ في السلطة، وهذا - برأيه- يعزز من حالة الفوضى وغياب دولة النظام والقانون وتحويل البلاد إلى زريبة تحكم بقانون الغاب وفقا لمنطق القوة والغلبة، فحين تغيب قوة القانون يبرز بلا شك قانون القوة.

ودعا العزب السلطة الشرعية أن تجعل بناء المؤسستين العسكرية والأمنية ضمن أولوياتها «لأنه بدون بنائهما على أسس سليمة لا يمكن استعادة مؤسسات الدولة وتفعيلها ولا القضاء على الانقلاب».

*قضية رأي عام

الصحفي محمد القدسي في حديثة يقول «إن غياب مؤسسات الدولة، وعدم قيام الجهات المختصة بالفصل بين قضايا المجتمع ممثلة بالمحاكم والنيابات ينتج عن عنه الكثير من التجاوزات التي تصل الى حد الإعدام خارج إطار القانون بمبرر أن الوضع (حرب)».

ويرى القدسي أن ما يحدث في تعز هو نتاج للحرب التي دمرت كل مؤسسات الدولة وجعلت الوضع اشبه بالفوضى، في ظل عجر السلطة المحلية عن تفعيل المؤسسات، «الأمر الذي جعل بعض الفصائل المسلحة تنصب اشخاصا يقومون بالفصل في القضايا دون وعي قانوني، والتي وصلت الى حد الإعدام دون أي اجراء قانوني مع وجود غطاء اعلامي يبرر ذلك».

ويدلل القدسي على كلامة بقضية ابن التاجر الشميري الذي تم تصفيته واقتحام ونهب منزله من قبل مجموعة مسلحين محسوبين على لواء عسكري بالمدينة، ويعتبرها جريمة بشعة خلقت حالة من الذعر والرعب لدى المواطن في تعز.

وشدد على ضرورة تناول وسائل الإعلام المختلفة لهذه القضية كونها قضية رأي عام، وعدم التبرير لمرتكبيها، أيا كان موقعهم السياسي أو العسكري، من أجل الحد منها، «ما لم ستشهد المدينة حالة من الفوضى وموجة من الاغتيالات والاعدامات خارج إطار القانون».

*تخاذل حكومي

جلاء العبسي طالبة في كلية الحقوق توضح أن جرائم القتل خارج القانون ليست الأولى «فقد اعدم الكثير من قبل، في ظل صمت وتخاذل حكومي مخز، ولم يسبق ان تمت إجراءات العدالة بحق الجناة في مثل هكذا جرائم».

وشددت على ضرورة ضبط الجناة ومرتكبي هذه الجرائم أيا كانت مواقعهم، من اجل الحد منها وتجريمها، كما دعت الجهات المعنية لتفعيل دور الأمن والجيش في الحد من الجرائم لا السكوت عنها، كما أدانت التستر على قتلة الشميري من قبل قيادة اللواء 22 ميكا ودعتهم إلى تسليمهم للعدالة.

*جرائم شبه يومية

الناشط عبدالحليم صبر فيعتبر عملية القتل خارج القانون دائرة مخيفة ومرعبة بدأت تتوسع في مربعات الشرعية داخل محافظات تعز في ظل صمت وعجز وغياب الجهات الامنية.

ويقول «إن إعدام الشاب حبيب الشميري خارج القانون في مقر عسكري، وأيضا إعدام الجندي عدنان محمد محمود بعد ان اختطفه مسلحون من وسط المدينة وقاموا بإعدامه في النقطة الرابعة، وكذلك اغتيال مراد الهلالي في شارع المصلى الذي يقع داخل كيلومتر مربع من مقر قيادات المحور، كل هذه التصفيات والاعدامات كشفت مدى خطورة الوضع المنفلت داخل المدينة».

وحسب صبر، فقد أصبحت الجرائم خارج القانون شبه يومية في تعز، وهي تعد انتهاكا صارخا لقانون حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني.

*جرائم متزايدة

أما الاعلامي رامي البريهي فيتأسف بسبب هذه الجرائم التي تتزايد كل يوم، وما يؤسفه أكثر أنها تأتي «أحيانا» ممن ينبغي أن يكونوا ممثلين للقانون وحامين له.

ويقول البريهي «إذا استمر صمت المجتمع حيال هذه القضايا فإننا قد نشهد انفلاتا أمنيا رهيبا»، يصعب علينا الحد منه»، مطالبا بالعمل على تحقيق القانون على كل مجرم لأن القانون فوق الجميع.

وأضاف «يجب علينا أن نقف ضد كل من يقوم بهذه الجرائم وأن نطالب الجهات المسؤولة بالقيام بدورها في محاكمة من يقومون بهذه الأفعال».

*ساحة صراع

عدنان الأثوري يعتبر القتل خارج القانون ظاهرة شاذة ودخيلة على تعز الثقافة والتسامح، ويعاقب عليها القانون، ويرى انها تمثل بالدرجة الأولى اشخاصا منتفعين ومستفيدين من بقاء الوضع الأمني المختل.

ويوضح الاثوري قائلا «أن هؤلاء الأشخاص يسعون إلى إقامة دولة داخل الدولة ويقدمون خدمة جليلة للحوثي الذي يسعى إلى إرباك المشهد الأمني لمحافظة تعز التي خرجت عن سيطرته، وبقائها ميدان صراع وساحة انتقام، من خلال القتل الممنهج والاغتيالات والقتل خارج القانون»، حسب توضيحه.

وناشد الاثوري رئيس الجمهورية والمحافظ الجديد لتعز بأن يضربوا بيد من حديد كل من يتلاعب بالملف الأمني وإيقافهم عند حدهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم.

*خلاصة

كل هذه الجرائم بما تمثله من وضع مأساوي في تعز هي في الأساس محصلة ليست نهائية، وطبيعية لتعدد الوحدات الأمنية والعسكرية وتباين ولاءاتها لغير الدولة وتعدد القيادات العسكرية وتصارع اتجاهاتها السياسية بين شرعية وانقلابية وإصلاحية وقبلية، الأمر الذي غيب القانون وهدم أركان الدولة واستهتر بالنظام وجاء بالعبث والأهواء الشخصية لتتحكم بمصير المحافظة وحياة الناس فيها.. ومن غير المنطقي أن يُعاد الأمن والسكينة للمدينة بدون إعادة تهذيب وتنقيح المؤسسات الأمنية والعسكرية وإخضاعها للدولة.