المهام عاجلة والمخاطر متعاظمة.. رؤية سياسية لمؤتمر إنقاذ وطني جنوبي عام

بمناسبة اللقاءات والحوارات الجنوبية، التي بدأت منذ أيام بين عدد من القيادات في أبو ظبي تمهيدا لخطوات أوسع وأهم، يتحدد بموجبها الموقف الموحد للجنوب و الجنوبيين من مختلف القضايا المتعلقة بالتسوية السياسية المرتقبة وآليات وجوهر حل قضية الجنوب، فإننا نعيد التذكير بالمبادرة التي كنا قد نشرناها وعممناها بتاريخ 13 نوفمير 2015م، توخيا الاستفادة منها والتوقف أمام مضامينها التي ما زالت قائمة وتتناسب مع الظرف الحالي رغم المتغيرات.
أثبتت الأحداث والتطورات الدراماتيكية الأخيرة وبكل أبعادها ونتائجها التي تجلت على سطح المشهد السياسي في اليمن عموما وفي الجنوب على وجه التحديد، الذي حققت فيه المقاومة الوطنية الجنوبية انتصارات عسكرية رائعة دون أن يقترن ذلك بفعل سياسي موحد ومنظم أو تحقيق انتصارات سياسية موازية يطمئن لها ويعتمد عليها شعبنا في خطواته اللاحقة رغم عظمة التضحيات، وهو ما يعكس خطورة عدم وجود القيادة الجنوبية الموحدة والرؤية السياسية الجامعة التي طال الحديث عنها، وتعددت المبادرات والاجتهادات الوطنية بشأنها عبر سلسلة من اللقاءات والمؤتمرات والندوات، وأخفقت جميعها حتى الآن مع الأسف الشديد في الوصول إلى نتيجة عملية ملموسة تلبي متطلبات المرحلة التاريخية الراهنة وتستجيب لآمال وطموحات شعبنا في الجنوب وتضحياته الجسيمة وتضعه على أعتاب مرحلة وطنية نوعية جديدة تفتح أمامه أبواب المستقبل الواعد الذي ينشده ويستحقه بجدارة تاريخه وحضارته وتضحياته وقدراته الكامنة، وعلى قاعدة الشراكة الفاعلة والمسؤولية المشتركة لكل أبنائه وبكل فئاتهم وشرائحهم الاجتماعية وانتماءاتهم السياسية ومشاربهم الفكرية.
ومن هذا المنطلق، وتعبيرا عن الشعور المشترك بجسامة المسؤولية والقلق المتزايد لدينا جميعا، ومواصلة وأخذا بعين الاعتبار لكل ما سبق من رؤى واجتهادات وجهود وطنية مخلصة بذلت في هذا السياق، فإننا نضع هذا التصور كرؤية سياسية لمشروع إنقاذ وطني عاجل للجنوب وبعناوينه وخطوطه العريضة، آملين أن تجد الاستجابة والتفاعل البناء معها من قبل الجميع بهدف الوصول إلى الصيغة الوطنية المناسبة التي نتمكن من خلالها جميعا إنقاذ شعبنا وإخراجه من وضعه المأساوي القائم والمنذر بمزيد من الاختلالات والفوضى والتخبط السياسي إلى بر الآمان، وذلك وفقا للآتي:
أولا: الاتفاق على ضرورة عقد مؤتمر جنوبي عاجل تدعى له كل القوى والمكونات والأطراف والشخصيات الجنوبية المختلفة للوقوف أمام الوضع القائم وتقييمه تقييما شاملا وعميقا وبروح وطنية ونقدية مسؤولة، وبكل أبعاده وتجلياته الداخلية والإقليمية والدولية، وتأثيراتها السلبية والإيجاببة على قضية شعبنا، راهنا ومستقبلا، واستخلاص النتائج الضرورية واللازمة للعمل الوطني العام والفعل السياسي المتعدد الأبعاد والمهام والجبهات في هذه الظروف الحرجة،  والاتفاق على الأسس والمبادئ التي ستتحدد بموجبها طبيعة العلاقات مع الشرعية اليمنية القائمة وسلطاتها المحلية في مختلف المجالات وعلى قاعدة التفاهم والتعاون وبما يخدم الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة المختلفة في الجنوب، وصياغة رؤية سياسية متكاملة للتعامل والتعاون البناء، حاضرا ومستقبلا، مع دول التحالف العربي، وبما يخدم شعب الجنوب وقضيته الوطنية العادلة، وعلى قاعدة الشراكة الاستراتيجية وفي مختلف المجالات، وفي المقدمة منها دول مجلس التعاون الخليجي، وبما يحفظ السيادة والقرار الوطني المستقل.
الأمر يقتضي بالضرورة تقييم العلاقة مع الشمال تقييما موضوعيا ومسؤولا
وفي نفس السياق، فإن الأمر يقتضي بالضرورة تقييم العلاقات الخاصة مع الشمال تقييما موضوعيا ومسؤولا يأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركة اليوم وفي المستقبل والقائمة موضوعيا، حتى ولو تغير شكل العلاقات السياسية بين الشعبين الشقيقين التي ستفرضها بالضرورة طبيعة التحولات القادمة، وبواقعية سياسية وموضوعية بعيدا عن ردود الفعل الآنية والعواطف والدوافع التي تقف خلف ذلك، وهي مبررة في أغلبها في اللحظة الراهنة بسبب ما تعرض له الجنوب وأهله خلال الفترة الماضية من قهر وظلم وعدوان سافر وممارسات احتلالية بشعة، وبعيدا كذلك عن الحسابات التي لا تعطي وزنا لمعطيات وحقائق التاريخ والجغرفيا وشبكة العلاقات الاجتماعية الواسعة المعاشة واقعا ينبض بالحياة، وأن توضع في سبيل ذلك رؤية إستراتيجية متكاملة تضمن وتحفظ حقوق الجميع وتسمح بانسياب المصالح وتبادل المنافع وفي إطار شراكة حقيقية تكاملية شاملة، وقائمة على الندية والاحترام المتبادل للخيارات الوطنية والقرار السيادي الحر لكل منهما.
ثانيا: وضع برنامج عملي محدد وملموس وذات طبيعة إجرائية يعتمد في مضمونه على ما ورد في البند أولا، ومستوعبا في نفس الوقت الموقف الوطني العام لشعبنا في الجنوب المعبر عن إرادته وحقه في تقرير مصيره وبالطريقة التي يرتضيها دون مساومة أو إكراه أو تدليس،  ووفقا للمعطيات الواقعية وما تفرضه الضرورات من تفاعل وتعامل إيجابي وبما يخدم ويحقق للجنوب وللجنوبيين هدفهم الوطني النبيل.
ثالثا: لضمان النجاح وتنفيذ ما ورد في البندين السابقين وتجنبا للتعثر ومنعا للإرباك والازدواجية في المهام الماثلة وبالنظر لطبيعة التداخل والتشابك المعقد والقائم في مجمل الأوضاع والتحديات الراهنة داخليا وخارجيا «ناهيك عن ضبابية المشهد وقتامة الصورة وغموض في المواقف النهائية»، فإن الضرورة تقتضي بأن يحتوي البرنامج المقترح على فصل وتمييز واضح بين المهام الوطنية العاجلة والتي لا تقبل التأجيل، وتلك التي يتطلب الأمر لتحقيقها وقتا أطول وأدوات ووسائل سياسية متعددة ومتحركة ووفقا لما تقتضيه مصلحة الجنوب وبرؤية إستراتيجية متكاملة وبجمع خلاق بين شقيها المرحلي (التكتيكي)، والبعيد المدى (الإستراتيجي)، ودون تناقض بينهما أو تغليب أحدهما على الآخر، مع الاستيعاب العميق لوظيفة البعدين والوجهين لهذه الإستراتيجية (السري والعلني)، وما يعنيه ذلك في الممارسة السياسية الناجحة والذكية والتي لا تتحقق إلا بوجود العقل السياسي الناضج والقيادة المسؤولة، وهي القاعدة التي يأخذ بها ويمارسها كل من له علاقة بالسياسة ويمتلك مشروعا سياسيا في عالمنا المعاصر ولا يجهلها إلا من يعيشون على هامش السياسة، وهو ما يعني عمليا بأن حركتهم السياسية وتحركاتهم العملية مكشوفة أمام الخصم، وهو ما يسمح له باختراقها وإفشالها، بل وإثارة الشكوك والانقسامات بداخلها ولنا في تجربة الحراك الكثير من الشواهد المؤسفة!
رابعا: اختيار قيادة جنوبية مؤقتة يناط بها قيادة الجنوب والتعبير عنه خلال المرحلة الانتقالية وتمثيلة في كل الحوارات والمفاوضات التي تتعلق بمصيره ومستقبله، تعكس في تركيبتها وحدة الجنوب الوطنية والسياسية والاجتماعية، وتتضمن تمثيل مناسب وفعال للمرأة والشباب يتجاوز حدود التمثيل الشكلي.
خامسا: صياغة ميثاق شرف وطني يحدد الالتزامات والضوابط الوطنية والأخلاقية التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين مختلف القوى والأطراف الجنوبية المشاركة والموافقة على ما يتضمنه البرنامج الذي سيتفق عليه مرحليا ووفقا لما ورد في البنود الأربعة المحددة أعلاه، ومع غيرها من شركاء العمل الوطني وفي مجمل الحياة السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي،  ويتضمن بالضرورة تحريما وتجريما لممارسة العنف وبأي شكل كان ووضع حد رادع لكل الممارسات الباعثة على الفتنة أو التخوين للآخر وبما يجعل معركة الحاضر معركة لكل الجنوبيين من أجل المستقبل.
الخطوات وآليات التحضير
1 - يتم التواصل والتشاور السريع بين مختلف القيادات والشخصيات الجنوبية المعنية والمتفاعلة والحريصة على عقد هذا المؤتمر ولديها الاستعداد والرغبة الصادقة على نجاحه وفي أقرب فرصة ممكنة بعد استكمال التحضيرات الضرورية لانعقاده، وأن تبقى المبادرة مفتوحة أمام الجميع في عملية التواصل والتشاور لتحقيق هذه الغاية، ونأمل أن يتم التعامل معها بنوايا حسنة وبعيدة عن التأويل والتصنيف أو الشك بنوايا من يبادرون بالدعوة للتشاور وبأية صورة كانت طالما كان الهدف نبيلا ومعلنا وواضحا للجميع.
2 - يتم التوافق بعد استكمال عملية التواصل والتشاور على تشكيل لجنة تحضيرية رئيسية تضم في عضويتها مجموعة من الكفاءات الممقتدرة والمجربة سياسيا وتنظيميا وإعلاميا وبعدد مناسب لتأدية مهمة التحضير وعلى نحو جيد وبالصورة المطلوبة وبالسرعة المناسبة، تتفرع عنها لجان فرعية تخصصية ووفقا للحاجة لذلك، على أن يكون عملها تكامليا وتقر في أول اجتماع لها الآلية والضوابط وجدول الأعمال والزمن المطلوب للانتهاء من عمل اللجان الفرعية، وكذلك الحال للجنة التحضيرية الرئيسية حتى لا يكون الزمن مفتوحا بلا سقف أو خاضعا للأمزجة والرغبات لهذا أو ذاك وبمبررات غير منطقية ولا مقبولة، لأن الظروف ضاغطة بشدة ومتحركة بسرعة مذهلة ولم يعد هناك متسعا من الوقت حتى يتم إهداره في هكذا سلوك وهو ما نأمل بعدم حدوثه أساسا إذا ما أحسن الاختيار للأعضاء واستشعر الجميع بالمسؤولية.
3 - وضع أسس وقواعد محددة ومعايير موضوعية وعادلة ومنصفة للجميع يتم اعتمادها عند تحديد النسب الخاصة بعدد المدعوين للمشاركة في المؤتمر ومن مختلف القوى والمكونات السياسية والاجتماعية الجنوبية، وكذلك الحال للمدعوين من الشخصيات الوطنية وممثلي منظمات المجتمع المدني، وهو الأمر الذي ينطبق كذلك على تجمعات الجنوبيين في الخارج وبصفاتهم ومناطق تواجدهم المختلفة.
4 - تتولى اللجنة التحضيرية إعداد وإقرار التصور الخاص بتكوين مركز إعلامي متخصص يتولى القيام بالنشاط الإعلامي المحترف والمواكب لفعاليات وأنشطة التحضير المختلفة، ويعتمد كمصدر وحيد للأخبار والمعلومات والتصريحات والبيانات الصادرة عنها وما إلى ذلك، منعا للفوضى والتسريبات المغرضة والخطيرة التي تصنع في مطابخ الإعلام المضاد للجنوب وقضيته في ظل انعدام الضوابط والروادع الأخلاقية، وما يصاحب ذلك من إرباك وتشوش وتتويه للحقائق وبعث روح اليأس والفتنة بين أبناء الجنوب، ويتولى كذلك ضبط عملية التواصل والتنسيق وتبادل المعلومات مع مختلف الصحف والمواقع الجنوبية، بهدف استنهاضها ومضاعفة تفاعلها في تأدية دورها الوطني الهام والاستثنائي في هذه الظروف الخطيرة، وبما يساعد على خلق حالة تفاعلية مجتمعية ايجابية ورأي عام ضاغط ومتعاون مع عمل اللجنة التحضيرية، بهدف الوصول إلى انعقاد المؤتمر وبنجاح لما يمثله من أهمية وطنية طال انتظارها.
تحديد العدد وارتباطه بالمكان والزمان والظروف المحيطة بانعقاد المؤتم
وأخيرا ومن بين الأمور التي ستكون واحدة من القضايا المطروحة وبجدية أمام اللجنة التحضيرية وستحظى بنقاشات واهتمام خاص من قبلها هو تحديد إجمالي العدد المقترح للحضور والمشاركة في أعمال المؤتمر لما لذلك من أهمية اعتبارية عند الجميع، وهو ما يتطلب منها الحرص على تطبيق ما جاء في الفقرة (3)، تجنبا للاشكاليات المحتملة في هذا الجانب وسحبا للمبررات التي قد يطرحها البعض كمصوغ لعدم المشاركة في المؤتمر.. ونعتقد بأن مكان المؤتمر وزمن انعقاده والظروف المحيطة التي سينعقد في ظلها عوامل حاكمة في تحديد العدد الإجمالي للمشاركين، ولأن الأمر يتطلب حضور أكبر عدد ممكن، فإن انعقاده في العاصمة عدن أو في مكان آخر تختاره اللجنة هو المناسب لذلك.. ومن باب الاقتراح فإن العدد الممكن استيعابه هو ما بين (600) إلى (750)، أما إذا تعذر انعقاده في الداخل فإن العدد سيقل بكل تأكيد إذا عقد خارج الوطن، ومع ذلك نقترح ألَّا يقل العدد المشارك عن (350) شخصا، لأهمية المؤتمر وجسامة الموضوعات التي سيقف أمامها، وهي ذات طبيعة تاريخية كبرى، وستكون هذه واحدة من المهام الكبيرة التي ينبغي أن تطلع بها اللجنة التحضيرية وبمساعدة وتعاون عدد من الشخصيات الجنوبية في بحث الأمر مع عدد من الدول العربية التي يمكن أن تستضيف المؤتمر وتهيئة الظروف المناسبة لانعقاده ونجاحه وبصورة لائقة ومشرفة.
لقد أصبح الجنوب اليوم على مفترق خطير فإما أن يكون أو لا يكون، فحجم المخاطر المحدقة به كثيرة وكبيرة (المنظورة منها وغير المنظورة)، والتحديات التي يواجهها ليست بالسهلة ولا بالقليلة كذلك، وهو الأمر الذي يجعل الجميع دون استثناء أمام مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية والإنسانية أيضا، فقد حان الوقت الحقيقي لإثبات الإرادة السياسية المقترنة بالفعل الاستثنائي المطلوب حضوره اليوم أكثر من أي وقت مضى، وتجسيد المصداقية الوطنية وإنزال الشعارات من سماء السياسة إلى أرض الواقع، وتحويلها إلى مواقف ملموسة من خلال الاستجابة المسؤولة والإنخراط والتفاعل مع عملية التحضير والمشاركة الفعالة فيها، ضمانا لانعقاد المؤتمر ونجاحه في تحقيق الغاية الوطنية التي ينتظرها شعبنا منه، فقد أصبح ذلك ضرورة وطنية ملحة لا تحتمل المزايدات والمناورات واختلاق الأعذار والمبررات لعدم المشاركة أو وضع العراقيل في طريقه.​